من كلمات نجيب سرور

السؤال الان ، لماذا هو بارد دائما شهر يناير ؟ يعنى مثلا لو لاحظت ستجد ان يناير 1967 كان باردا وانهزمنا فى ذلك العام ، ويناير 1968 كان باردا ايضا والرئيس جمال عبد الناصر قد تراجع عن قرار التنحى ومن المفترض أننا نرتب امورنا لنقوم من الهزيمة الثقيلة ، او النكسة ، بحسب اختيار طيب الذكر الدكتور محمد حسنين هيكل . نحن لاننكر على هيكل سعة معرفته اللغوية ، مشاء الله معجمه واسع ، ربما اوسع من كسٌ السيده الفاضله والدته ، واوسع من ذمة الدكتور رشاد رشدى ، ومن تأشيرات الدكتور ثروت عكاشه ، بل ربما من مساحة مؤلفات نجيب محفوظ . لايمكنك ان تعرف على وجه التحديد فى اى مكان – لامؤاخذه – عثر السيد هيكل على كلمة نكسة ليضعها بدل من الهزيمة ، ثم لو قلنا بعد ذلك انه معرص يتهموننا بسوء الادب او بالجنون ، كما سيتهمنى بالجنون من سيسمعنى اقول ان اختيار يناير 1969 ليكون الشهر الذى اتشرد فيه فى الشوارع كان مؤامرة مدروسة بدقة .
على ان عانيت من اتهامى بالتصيد والجنون والشعور بالمؤامرات الخفية ، وعلى انهم مثل هيكل سيبحثون عن كلمة او كلمتين يضعونها بدلا من الحقيقة ، الجنون ، الفصام ، شيزوفرينيا ، وزغرطى ياللى منتيش غرمانة ، بذمتك ودينك وامانتك ، هل هى مصادفة ان يتفضل الدكتور رشاد رشدى بطردى فى نوفمبر وهو يعلم اننى سأبذل ما فى وسعى للثورة على هذا القرار المجحف الظالم المفترى ؟ المخطط ماسونى يا مولانا ابا العلاء ، يعلمون اننى سأشتكى ، ويعلمون اننى سأروح هنا وهناك حتى يصل بى الشكوى فى مجلة الكواكب مثل الارامل والمطلقات وابن السبيل طلبا لحقى و بحثا عن مهنتى ، وبعد ذلك يتقدم الشاعر البجح عميل المخابرات احمد عبد المعطى حجازى ببلاغ رسمى ضدى فى مجلة روز اليوسف الاسبوع الماضى بدعوى انه يريد مساعدتى فيقول لا فض فوه ( ان جهازا من الاجهزة يمكن ان يدفع تكاليف علاجه فى احدى المصحات ) يعنى سيادة الشاعر الجهبذ العرص يتطوع من نفسه مقترحا عليهم ان يدخلونى مستشفى الامراض العقلية حتى يستريحوا منى ومن قرفى ، والله يعلمون ، ووالله اعلم انهم يعلمون ، ووالله يعلمون انى اعلم انهم يعلمون ، لكن ماذا نفعل والطبع المسيطر على الكون هو سوء الخدمة والملل ، الكون فندق سئ الخدمة ، تطلب الشئ فلا يجئ او يأتى متاخرا او لا ياتى اطلاقا او ياتى بشئ اخر تماما .
ثم الملل ، يناير دائما برد ، يونيو دائما حر ، يعنى ماذا كان سيحدث مثلا لو يونيه 1967 برد ، الم يكن ذلك افضل بدلا من الجنود الذين ذابت جلودهم فى العودة من صحراء سينا تحت لهيب الشمس . تجاوزنا مرحلة الحيرة وصرنا قائمين فى مقام الملل ، الا يشعر هولاء المثقفين بالملل من جلسة المكاتب ومن القمصان والبنطلونات والجواكت والكلسونات ، ما الذى سيجرى فى الدنيا اذا لو خلعت انا ، نجيب سرور ؛ المثقف والكاتب والفنان والمسرحى والممثل والشاعر والناقد ، الملابس التى التى اعتاد المثقفون ارتداءها وارتديت هذا الجاكت المتسخ والجلباب الممزق ، ما الذى سيحدث حين يطول شعرى ويتسخ واصبح مشردا بين المشردين ، اقف لانظم المرور او اؤدى مشهدا من هاملت فى ميدان التحرير أو أبول على تمثال ميدان طلعت حرب ، امنحهم فرصة ليمثلوا دور المندهش او دور المشفق او اى دور والسلام .
يمصمصون شفاههم حزنا على ما يفعله الفنان نجيب سرور بنفسه ، ثم يمضى كل منهم الى حياته وحال سبيله . ( واما هو فنان يا ولاد الزوانى لماذا وصلتم به الى هذا الحال ؟ ) أليس هذا مخطط الدكتور رشاد رشدى ومعه المفكر العظيم عبد الفتاح البارودى ؟ فلينعموا به اذن حتى النهاية و لتكن النتائج اكثر تطرفا مما توقعوا ارادونى مشردا على المجاز فلأكن مشردا حقيقيا .
اولئك الذين ينظرون لى فى الشارع بحذر ويعبرون من الناحية التانية ، هل يعرفنى احد منهم ، هل يعرفون ما قدمته للمسرح والشعر والادب ، هل يتذكر احد هؤلاء المارة شيئا مما كتبته او مثلته ، ولو تذكر فهل سيزيل هذا خوفه وحذره ام انه سيضاعفهما ؟ هل سيفهم احد لماذا افعل ما افعل ؟ لا يهم ، فلم يعد احد يفهم شيئا على الاطلاق ، ونحن لا نريد الا ان نوجه جزيل الشكر لاولاد القحبة فى زماننا , زمن الستينات الجميل ، والذين فاقوا من قحاب عصر الفرسان دون شك ودون جدال . الفرسان ظلوا يرددون اكاذيب البطولة حتى جن الشهيد دون كيخوتة وحمل سيفا خشبيا وانطلق يصارع طواحين الهواء ، اما فى الستينات فقد وصلوا بى انا – نجيب سرور ، ان يحمل مقشة يكنس بها الشوارع ، ويرتدى جاكتة ممزقة ، ويكتب اشعارا لن تنشر ، وتخطر فى باله افكار مسرحيات لن تمثل وتضئ فى عقله لقتات نقدية لن تجد رئيس تحرير يسمح بنشرها . المخطط مكتمل ويناير بارد والكتيبة الخرساء خرساء . اننى اتوحه من هنا ، من عرشى الذى يطل على كوبرى الجامعة وبصولجانى الذى لا يزيد عن مقشة خشبية قديمة ، اتوجه بالشكر لكل المومسات والشواذ والسكارى وتجار المخدرات وزعماء الثورة واعضاء اللجان الاشتراكية ولجمال عبد الناصر بشكل شخصى و للموسيقار محمد عبد الوهاب و الانسة ام كلثوم وللبلبل البليغ الذى لا يكف عن التغريد الاستاذ الفنان محمد جسنين هيكل ، وللروائى الذى لا يكف عن كتابة الروايات نجيب محفوظ ، وللسيد المبدع الذى لا تكف ماكينته عن انتاج الكلام الفارغ ، الفنان المكتئب صلاح جاهين ؛ اتوجه لكل هؤلاء بجزيل الشكر والتحية واؤكد لهم ان مخططهم قد تم بنجاح محقق واننى مشرد فى الشوارع والطرقات كما ارادوا ، وربما اكثر مما ارادوا قليلا . على ان اعترف اخيرا قبل ان انزل من سدة العرش وقبل ان تبدأ الكورس فى ندبى ، انى لست حزينا على مال ولا على موقف ولا على معركة خضتها وهزمت فيها لاسباب لا تخصنى ، ان ما يحزننى بالفعل هو اننى لا ازال محتفظا بعقلى ، كل ما يحزننى ، ويدهشنى هو اننى لم اصب بالجنون بعد ، اننى اقرا واسمع وارى واشم وافهم كل شئ ، وان ذهنى لا يزال سليما وان عقلى لا يزال معافى ، يدقق وينقد ويحلل ويفكر ويلاحظ ويعرف اشياء الجهل بها اولى واسلم . لعل لربك فى احتفاظى بعقلى حتى الان حكمة لا يدركها ذهنى البشرى القاصر . من يدرى

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail